
لبنان أمام يوم حافل بالرسائل السياسية والأمنية، من ذكرى اغتيال الأمينين العامين السابقين لـ”حزب الله” حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، إلى التطورات المتسارعة في الجنوب، مروراً بالاتصالات المرتبطة بالمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، وصولاً إلى ما يجري على خط واشنطن وطهران. وبين هذه الملفات، تترقب الأوساط اللبنانية ما سيقوله الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم اليوم، وما إذا كان خطابه سيحمل جديداً في مقاربة الحزب للعلاقة مع الدولة واتفاق الإطار.
وفي الذكرى الثانية لاغتيال نصرالله وصفي الدين، يتوقع أن يجدد قاسم مواقف الحزب المعروفة تجاه السلاح و “المقاومة”، مع انتقادات متوقعة للدولة اللبنانية على خلفية اتفاق الإطار، والدعوة إلى التراجع عنه.
في المقابل، تتجه الأنظار إلى واشنطن حيث يُنتظر لقاء بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في وقت لم تتبلور فيه حتى الآن مؤشرات واضحة حول موعد الجولة الثامنة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، والمقررة مبدئياً في تشرين الأول. وبحسب المعطيات المتداولة، فإن لبنان يميل إلى تأجيل الجولة إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، ما يعني أن المسار التفاوضي لا يزال مرتبطاً بتطورات سياسية تتجاوز حدود الطاولة اللبنانية – الإسرائيلية نفسها.
وعلى المستوى العربي، يُنتظر أن تعقد اللجنة اللبنانية – السعودية المشتركة اجتماعاً قريباً، تمهيداً لتوقيع مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية والتقنية والثقافية، تشمل الاستثمار والتسهيلات الضريبية والتبادل الثقافي، على أن يترأس الرئيس سلام الجانب اللبناني في اللجنة. ويحمل هذا المسار أهمية خاصة للحكومة التي تسعى إلى إعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية وفتح أبواب جديدة أمام الاستثمار والتعاون.
أما في الجنوب، فالميدان لا يمنح السياسة مساحة واسعة للهدوء. فقد استهدفت إسرائيل مستودعاً تابعاً لـ”حزب الله” في بلدة سجد بصواريخ ارتجاجية، في ضربة أثارت القلق في المنطقة، بالتزامن مع تبديلات يجريها الجيش الإسرائيلي في عدد من الكتائب المنتشرة في الجنوب اللبناني.
وتأتي هذه التطورات بعد معلومات أمنية إسرائيلية تحدثت عن أن “حزب الله” يعيد بناء قوته وفق الظروف الجديدة في جنوب لبنان، مع انتقاله، بحسب المصدر، من نموذج القوة العسكرية النظامية إلى مجموعات صغيرة موزعة في مناطق مختلفة.
وفي حومين الفوقا، أخذ التوتر منحى مختلفاً بعدما وقعت إشكالات بين مناصرين لحركة “أمل” و”حزب الله” على خلفية رفع العلم الإيراني على سطح أحد المباني. وقد أعادت الحادثة إلى الواجهة حساسية العلاقة داخل البيئة الجنوبية نفسها، خصوصاً عندما تتداخل الرموز المحلية مع صورة الصراع الإقليمي.
وخارج لبنان، لا تزال المواجهة الأميركية – الإيرانية تضغط على المنطقة. فقد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب المقترح الإيراني لوقف إطلاق النار، وقال إن إيران لا تملك حق وضع شروط تتعلق بمضيق هرمز، مضيفاً أن طهران لا تسيطر على المضيق. وبحسب ما نقلته “أكسيوس” عن مسؤولين أميركيين، عبرَ نحو 60 مليون برميل من النفط مضيق هرمز خلال الساعات الـ72 الأخيرة.
وفي المقابل، لوّحت إيران بامتلاكها “مفاجآت” عسكرية جديدة، مؤكدة استعدادها لاستخدام قدرات لم تكشف عنها في حال تعرضها لأي هجوم محتمل.
إذِا ما يجري حول لبنان لا يسير في مسارات منفصلة. فالمفاوضات مع إسرائيل مرتبطة بما يحصل على الأرض في الجنوب، وموعد الجولة المقبلة بات يتأثر أيضاً بالانتخابات الإسرائيلية وبالظروف الإقليمية التي قد تفرض نفسها على أي تفاوض. وفي الداخل، سيأتي خطاب نعيم قاسم ليعيد فتح النقاش حول اتفاق الإطار ودور الدولة وحدود المرحلة المقبلة، في وقت تحاول فيه الحكومة تثبيت حضورها السياسي عبر اتصالاتها مع واشنطن والرياض.
الأهم أن الجنوب لم يعد مجرد ملف أمني منفصل عن السياسة. ما يجري هناك يرتبط مباشرة بما يمكن أن يحدث على طاولة المفاوضات، وبالطريقة التي ستتعامل بها الأطراف مع المرحلة المقبلة. فإذا بقيت الضربات والعمليات الميدانية على وتيرتها الحالية، سيكون من الصعب فصل أي تفاوض عن ميزان القوة على الأرض. وإذا اتجهت الاتصالات نحو تهدئة تسمح باستئناف المفاوضات، فسيكون السؤال عندها حول الشروط التي سيحملها كل طرف إلى الطاولة.
أما لبنان، فالفترة المقبلة ستضع الحكومة أمام واقع صعب: تثبيت دور الدولة وعلاقاتها الخارجية من جهة، والتعامل مع تمسّك “حزب الله” بخياراته واستمرار العمليات الإسرائيلية في الجنوب من جهة أخرى، فيما تبقى التطورات بين واشنطن وطهران حاضرة في الخلفية. لذلك، فإن ما سيحصل في الجنوب قبل موعد المفاوضات قد يكون أهم من الموعد نفسه، لأنه سيحدد إلى حد كبير طبيعة النقاش المقبل وما إذا كان سيبقى أمنياً أم يتوسع إلى ملف السلاح ودور الدولة.
جوني خلف – رئاسة التحرير




