سياسة

من اليمن إلى الجنوب.. خيوط التصعيد تلتقي ولبنان في قلبها

كتب "جوني خلف"

لم يعد ما يجري في اليمن حدثًا بعيدًا عن حسابات المنطقة، بعدما وصلت الهجمات الحوثية إلى محيط العاصمة السعودية، وطالت مناطق قريبة من مطار الملك خالد ومنشآت مرتبطة بأرامكو. ومع الحديث عن محاولة استهداف مكة المكرمة واستمرار القتال بين القوات الحكومية اليمنية والحوثيين، تبدو الساحة اليمنية وكأنها بدأت تجرّ معها ساحات أخرى، وتوسّع دائرة المواجهة أكثر مما كان متوقعًا.

 

المشكلة بالنسبة إلى السعودية لا تتوقف عند الصواريخ والمسيّرات بحد ذاتها، بل في المكان الذي وصلت إليه والرسالة التي تحملها. فاستهداف العمق السعودي، ولو بقي ضمن حدود معينة، يعني أن الحرب في اليمن لم تعد مسألة حدود جنوبية يمكن احتواؤها، بل أصبحت مرتبطة بأمن الخليج والمنشآت النفطية وحركة الملاحة. وهذا تحديدًا ما يجعل أي تصعيد إضافي محسوبًا بدقة، لأن الخطأ في هذه المرحلة قد يفتح بابًا يصعب إقفاله.

 

ومن هنا يأتي العامل الإيراني والأميركي. طهران ترفع جهوزيتها العسكرية، فيما واشنطن تدرس خياراتها وسط تصعيد متواصل في المنطقة. ووصول وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إلى البيت الأبيض بشكل مفاجئ برفقة الرئيس دونالد ترامب، بالتزامن مع الحديث عن خيارات لضربات عسكرية، أعاد إلى الواجهة احتمال انتقال واشنطن من إدارة التصعيد إلى محاولة فرض قواعد جديدة له.

 

إسرائيل أيضًا لا تتعامل مع هذه التطورات وكأنها بعيدة عنها، إذ دخل سلاحها الجوي حالة تأهب قصوى. فالخوف الأساسي ليس من جبهة واحدة، بل من أن تتصل الجبهات ببعضها، بحيث يؤدي أي تحرك أميركي ضد الحوثيين أو إيران إلى رد في مكان آخر. وعندها يصبح احتواء التصعيد أصعب بكثير من بدايته.

 

هذا المشهد الإقليمي المتوتر يصل إلى لبنان في مرحلة دقيقة. فرئيس مجلس الوزراء نواف سلام غادر للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يلقي كلمة لبنان يوم الجمعة، قبل أن يتوجه إلى واشنطن لعقد لقاءات مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، ورئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا.

 

سلام سيحمل معه الموقف اللبناني من الجنوب، وفي مقدمته التمسك بمسار التفاوض مع إسرائيل باعتباره الطريق الذي تراه الدولة متاحًا لتثبيت الاستقرار، إلى جانب تأكيد المضي في حصر السلاح بيد الشرعية واستعادة قرار الحرب والسلم. كما سيطلب دعمًا للبنان في إعادة الإعمار، وللجيش والمؤسسات الأمنية في هذه المرحلة.

 

وفي موازاة تحرّك سلام الخارجي، تزداد الضغوط في الداخل. فبحسب مصادر سياسية، وصلت إلى رئيس الحكومة تحذيرات جدية من خطورة تدهور الوضع المعيشي، وسط مؤشرات إلى عودة الحراك إلى الشارع. وهذا الملف قد يفرض نفسه بقوة على الحكومة، إذ إن أي تصعيد إقليمي جديد لن يحتاج إلى وقت طويل حتى يترك أثره على لبنان، فيما باتت قدرة الناس على تحمّل مزيد من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية محدودة إلى حدّ كبير.

 

لبنان، بهذا المعنى، يحاول أن يبقى خارج دائرة النار في وقت تتوسع فيه دائرة النار من حوله. والتحدي أمام الحكومة ليس فقط في تثبيت موقف سياسي في نيويورك وواشنطن، بل في إظهار أن الدولة قادرة على إدارة الداخل أيضًا، من الاقتصاد إلى الأمن إلى ملف الجنوب.

 

فالمنطقة تتحرك بسرعة، وما كان يُنظر إليه قبل أيام كتصعيد محصور في اليمن، أصبح اليوم مرتبطًا بالسعودية وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وفي لبنان، تبدو العقدة أوضح من أي وقت مضى. إسرائيل تقول عمليًا إن الانسحاب من الجنوب مرتبط بإزالة تهديد حزب الله وبأن يكون الجيش اللبناني قادرًا على الإمساك بالحدود، فيما يرفض الحزب أن يبدأ البحث في سلاحه قبل انسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها، معتبرًا أن المقاومة هي الطريق لتحرير الأرض.

وبين الشرط والشرط المضاد، تحاول الدولة فتح باب التفاوض واستعادة زمام القرار، مع العمل على تقوية الجيش وتثبيت حضوره على الحدود. لكن المعادلة لا تبدو سهلة: إسرائيل تنتظر خطوة من الجانب اللبناني، والحزب ينتظر انسحاب إسرائيل، والدولة تحاول أن تجد نقطة التقاء تمنع الجنوب من البقاء ساحة مفتوحة للتصعيد.

وهنا تصبح المفاوضات أبعد من مجرد معالجة الوضع الميداني؛ فهي محاولة لكسر حلقة «الانسحاب مقابل السلاح»، والوصول إلى صيغة تعيد القرار إلى الدولة، وتعزّز دور الجيش على الحدود، وتفتح الباب أمام معالجة ملف السلاح ضمن مسار سياسي لبناني واضح. أما استمرار الشروط المتبادلة، فيعني أن الجنوب سيبقى عالقًا في دائرة التصعيد، فيما تبحث الدولة عن مساحة تستطيع من خلالها جمع هذه الملفات على طاولة واحدة. ومن هذا المنطلق، تبدو الطريق أمام الحل معقدة وطويلة، لأن العقدة لا تتعلق بملف واحد، بل بمجموعة قضايا مترابطة، لكل طرف حساباته وشروطه فيها.

 

جوني خلف – “رئاسة التحرير”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى