
لم يعد التصعيد الإسرائيلي في الجنوب مجرد رسائل ميدانية لرفع سقف الضغط في التفاوض، بل بات يحمل مؤشرات واضحة إلى انتقال إسرائيل نحو مرحلة أكثر تصعيداً، مع عودة الاغتيالات وتوسيع نطاق العمليات، بالتزامن مع غياب أي مؤشرات جدية على استئناف المفاوضات.
وبحسب المعطيات المتوافرة، لا تتجه الأمور حالياً إلى عقد جولة تفاوضية جديدة مع إسرائيل، كما لا توجد، حتى الآن، مفاوضات مقررة للوفود العسكرية في أيلول. ويأتي ذلك وسط تصعيد إسرائيلي يوحي بأن تل أبيب لم تعد تراهن على التفاوض وحده، وأنها تتهيأ لخيارات ميدانية أكثر قسوة.
وتلفت مصادر إلى أن عودة إسرائيل إلى سياسة الاغتيالات، بعد انتهاء مهلة الستين يوماً التي أُعلنت في واشنطن، تعكس انتقالها من انتظار نتائج الاتصالات والمفاوضات إلى الاستعداد لمرحلة جديدة من التصعيد. وهذا التطور يعيد الجنوب إلى دائرة الخطر، بعدما كان الرهان منصباً على تثبيت مسار سياسي يخفف التوتر ويمنع العودة إلى التصعيد المفتوح.
وفي خضم ذلك، أفادت هيئة البث الإسرائيلية، نقلاً عن مصدر، بأن «حزب الله» استهدف جنوداً إسرائيليين بواسطة مسيّرة انقضاضية أثناء قيامهم بأعمال في منطقة علي الطاهر جنوب لبنان.
من جهته، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن «حزب الله» انتهك وقف إطلاق النار بشن هجمات في المنطقة الأمنية، مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي ردّ على الهجوم بقصف مقر أصدر أوامر تنفيذ الهجوم.
وفي لبنان، برز موقف رئيس الحكومة نواف سلام، الذي أكد أن «معالجة أي بنى عسكرية تابعة للحزب، هي مسؤولية الدولة والجيش اللبناني حصراً»، بموقف يحمل أبعاداً سياسية تتخطى الساحة الداخلية، مفادها أن الدولة اللبنانية ترى أن معالجة الملفات العسكرية يجب أن تكون من صلاحيات المؤسسات الشرعية، وفي مقدمتها الجيش، ومن بينها ملف منشأة علي الطاهر، بما يسحب من إسرائيل ذريعة الاستمرار في استهداف الأراضي اللبنانية.
في المقابل، قال «حزب الله» في بيان إن «على اللبنانيين بكل مكوّناتهم إدراك خطورة النهج الذي تنتهجه السلطة على البلاد ووحدتها واستقلالها»، داعياً إلى البحث عن سبل لوقف العدوان، وعدم الإصرار على الاستمرار في مسار المفاوضات المباشرة. واعتبر أن التصعيد الإسرائيلي واستهداف المدنيين يعكسان إرادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تصعيد الحرب لتعزيز واقعه السياسي الداخلي.
وتبقى علي الطاهر في صلب هذه التطورات، بعدما تحولت المنشأة إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في الجنوب. وأي معالجة لبنانية لهذا الملف عبر الجيش قد تفتح الباب أمام احتواء إحدى أبرز نقاط الخلاف، لكن ذلك يبقى مرتبطاً بقرار الدولة وبالظروف السياسية والأمنية المحيطة به، وبمدى استعداد إسرائيل لوقف عملياتها في المقابل.
وفي موازاة التصعيد، تجري جهات رسمية لبنانية اتصالات مع واشنطن في محاولة لردع إسرائيل عن توسيع عملياتها، والحفاظ على المسار السياسي مفتوحاً. فالخوف في بيروت هو أن يؤدي سقوط هذا المسار إلى ترك الساحة للميدان، بما يحمله ذلك من احتمالات يصعب ضبطها.
وبحسب مصادر، فإن انتقال إسرائيل من عمليات محدودة إلى هجوم واسع على علي الطاهر قد يغيّر طبيعة المواجهة، ولا سيما أن مثل هذا التطور قد يدفع إيران إلى الدخول على خط التصعيد. وعندها، لن يعود الأمر محصوراً في مواجهة بين إسرائيل و«حزب الله»، بل قد تتسع رقعة الاشتباك وتغيّر قاعدته.
لهذا تبدو الاتصالات مع واشنطن أكثر إلحاحاً، في محاولة لمنع التصعيد من الوصول إلى نقطة يصعب بعدها العودة إلى الوراء. فلبنان يحاول إبقاء الباب السياسي مفتوحاً، بينما تواصل إسرائيل الضغط عسكرياً، و«حزب الله» يرفض العودة إلى مسار المفاوضات المباشرة، فيما يبقى الجيش أمام اختبار صعب يتعلق بقدرته على تولي الملفات العسكرية التي تطرحها التطورات على الأرض.
الواقع في الجنوب بات مرتبطاً إلى حد كبير بما سيحدث في علي الطاهر. فإذا أمكن احتواء الملف عبر الدولة والجيش اللبناني، قد تبقى هناك فرصة لمنع التصعيد من التوسع. أما إذا تحولت المنطقة إلى هدف لهجوم إسرائيلي واسع، فقد تدخل الأمور في مسار مختلف تماماً، خصوصاً إذا قررت إيران التدخل. عندها لن تكون المسألة مجرد جولة جديدة من التصعيد، بل اختباراً لحدود قدرة جميع الأطراف على ضبط المواجهة قبل أن تتجاوز الجنوب.
جوني ج خلف – رئاسة التحرير




