سياسةمقالات وتقارير

إلغاء الإعدام خطوة.. وإصلاح السجون مسؤولية

 

كتبت “علا غريزي”

Libanpress24

في أي نقاش حول إلغاء عقوبة الإعدام أو تعديل منظومة العقوبات، لا يمكن تجاهل واقع السجون في لبنان وما تعانيه من أزمات متراكمة. فإلغاء الإعدام قد يكون خطوة في اتجاه تعزيز حقوق الإنسان، لكن نجاح أي تعديل في منظومة العقوبات يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على إدارة السجون وتأمين ظروف إنسانية، ووضع آليات جدية لإعادة تأهيل السجناء. فلا يكفي تعديل القوانين إذا بقيت السجون عاجزة عن القيام بدورها، وبقي الموقوف أو المحكوم يقضي سنواته في بيئة قد تزيد من أزمته بدل أن تساعده على العودة إلى المجتمع بشكل سليم.

لا بدّ من دعم إلغاء عقوبة الإعدام، إلى جانب كل خطوة تشريعية وإنسانية تعزز حق الإنسان وتحافظ على كرامته. كما أننا مع العفو العام عندما يأتي في إطار قانوني واضح ومدروس يراعي المصلحة العامة والعدالة وحقوق الضحايا. لكن، قبل أن نُصدر القوانين ونطوي صفحاتها، هل الدولة اللبنانية مستعدة فعلاً لتحمّل تبعات هذه القرارات؟ وهل سجوننا مؤهلة لاستيعاب سنوات طويلة من العقوبات، ولتحويل السجن من مكان للعقاب فقط إلى مساحة للإصلاح وإعادة التأهيل؟

قبل أن نتحدث عن إلغاء عقوبة الإعدام أو عن العفو العام، أليس من الأولى أن نضع ملف السجون على رأس أولويات الإصلاح ونجهّز السجون لتكون أماكن تستوفي الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة، وأن نضع نظاماً حقيقياً لتصنيف السجناء، ونوفر لهم الرعاية الصحية والنفسية، والتعليم والتدريب المهني، وبرامج معالجة الإدمان وإعادة التأهيل، حتى لا يخرج السجين إلى المجتمع أكثر عنفاً وانكساراً مما دخل إليه؟

كما أن هناك ملفاً آخر يحتاج إلى معالجة جدية، وهو ملف الموقوفين الذين يمضون سنوات في السجون قبل أن تتم محاكمتهم أو يصدر بحقهم حكم نهائي. فالأجدر أن تكون معالجة التأخير في المحاكمات وتسريع البت في الملفات جزءاً أساسياً من أي إصلاح حقيقي لمنظومة العدالة، لأن بقاء الإنسان لسنوات خلف القضبان وهو ينتظر محاكمته يحمّل السجون أعباءً إضافية، ويطرح في الوقت نفسه مسألة عدلية وإنسانية تستحق المعالجة.
السجن مسؤولية دولة، وفترة العقوبة يجب أن تكون فرصة لإعادة بناء الإنسان، لا لإعادة إنتاج الجريمة.
إذا كنا نريد مجتمعاً أكثر أماناً، فلا يكفي أن نغيّر العقوبات. علينا أن نغيّر فلسفة العقوبة نفسها. فالسجين الذي سيقضي سنوات طويلة خلف القضبان سيعود يوماً إلى المجتمع، ولكن أي إنسان سيعود؟

لهذا، فإن إلغاء عقوبة الإعدام، والعفو العام، وأي تعديل في منظومة العقوبات، يجب أن تترافق مع خطة وطنية متكاملة لإصلاح السجون وإعادة تأهيل السجناء. فلا معنى لعقوبة طويلة إذا كانت سنواتها تُقضى في بيئة تنتج اليأس والعنف، ولا معنى للحديث عن الإصلاح إذا لم نمنح السجين فرصة حقيقية للتعلم والعمل والعلاج واستعادة قدرته على الاندماج في المجتمع.

نحن لا ندافع عن الجريمة، ولا نتجاهل حقوق الضحايا، بل على العكس، حماية المجتمع تبدأ من منع تكرار الجريمة، وهذا لا يتحقق إلّا بإعادة تأهيل من سيعودون يوماً إلى هذا المجتمع .

إذا كان لبنان يريد أن يفتح صفحة جديدة في العدالة، فليبدأ من السجون. فإلغاء عقوبة الإعدام قد يكون خطوة تاريخية، والعفو العام قد يكون محطة مهمة، لكن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح السجون أماكن لإعادة بناء الإنسان، لا مجرد أماكن لاحتجازه أو إذلاله .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى