سياسةمقالات وتقارير

لبنان أمام لحظة التغيير.. من دولة الزعامات إلى دولة المواطن

“علا غريزي” – libanpress24

أكثر ما يؤلم في التجربة اللبنانية خلال السنوات الماضية أن المواطن لم يخسر فقط قدرته الشرائية أو ثقته بالاقتصاد، انما خسر إحساسه بأن الدولة موجودة من أجله.

كبرنا في بلد تعلّم فيه الناس منذ زمن طويل أن الطريق إلى الحق يمر عبر شخص، وظيفة تحتاج إلى زعيم ، معاملة تحتاج إلى اتصال، فرصة تحتاج إلى غطاء، وحتى أبسط الخدمات أصبحت مرتبطة بقدرة الإنسان على الوصول إلى جهة نافذة.

علا غريزي

مع الوقت، لم تعد الزعامة السياسية مجرد تمثيل انتخابي. تحولت إلى وسيط بين المواطن والدولة. أصبح البعض يحصل على حقوقه من خلال شبكة علاقات، بدل أن يحصل عليها لأنه مواطن يحمل حقوقاً واضحة.

وهنا ظهرت المشكلة الحقيقية في النظام اللبناني.

المحاصصة لم تبقَ داخل الوزارات والمجالس والوظائف العامة. خرجت إلى حياة الناس اليومية وأصبحت طريقة تفكير كاملة، لكل جماعة بابها، ولكل منطقة مرجعها، ولكل فرد طريقته الخاصة للوصول إلى حق يفترض أن يكون متاحاً للجميع.

الدولة التي يحتاج الإنسان إلى وسيط حتى يصل إليها تفقد شيئاً أساسياً من معناها.

المشكلة التي نعيشها اليوم تتجاوز أسماء السياسيين والوجوه التي تتصدر المشهد. نحن أمام منظومة كاملة صنعت علاقة مختلفة بين المواطن والسلطة، علاقة جعلت الانتماء إلى شبكة نفوذ أكثر فاعلية من الانتماء إلى مؤسسة عامة.

ولهذا أصبح السؤال الحقيقي الذي يواجه لبنان، كيف ننتقل من دولة تقوم على طلب الحماية إلى دولة تمنح الحماية؟ وكيف نعيد بناء علاقة يشعر فيها المواطن أن حقه يأتي من القانون، وليس من قربه من أحد ؟

المشكلة في المنظومة التي تنتج الواقع نفسه

من السهل اختزال أزمة لبنان بأسماء سياسية أو ملفات فساد. هذه القراءة تبقى سطحية أمام حجم التحول الذي يمر به البلد.

السؤال الأهم هو لماذا تعيد المنظومة إنتاج النتائج نفسها مهما تغيرت الوجوه؟

لأن الخلل موجود في طريقة بناء السلطة نفسها.

النظام الذي نشأ على إدارة التوازنات بين القوى المختلفة استطاع أن يحافظ على استمراره لعقود. كان يبحث دائماً عن تسويات تمنع الانفجار الداخلي، لكنه مع مرور الوقت أصبح عاجزاً عن إنتاج دولة حديثة قادرة على اتخاذ القرار وبناء المؤسسات.

الدولة تحتاج إلى إدارة تقوم على الكفاءة، إلى قضاء مستقل، إلى قوانين تطبق على الجميع، وإلى مؤسسات يشعر المواطن أنها موجودة لخدمته.

عندما تصبح المواقع العامة جزءاً من حسابات النفوذ، تتحول المؤسسات إلى ساحات تفاوض بين القوى السياسية. وعندما تصبح الوظيفة العامة مكافأة للولاء، يخسر المجتمع أهم عنصر في بناء الدولة وهي الثقة.

لهذا فإن التغيير المطلوب يتجاوز تبديل الأشخاص. نحن أمام حاجة لإعادة النظر في المنظومة التي تنتج الحكم، وفي الثقافة السياسية التي جعلت المواطن يبحث عن حماية خارج الدولة.

الجمهورية الجديدة تبدأ من المواطن

الحديث عن “الجمهورية الثالثة” يجب أن يُفهم كحاجة تاريخية أكثر من كونه اسماً لمرحلة جاهزة.

لبنان مر بمراحل تأسيسية كبرى، مرحلة الاستقلال حملت سؤال بناء الكيان. مرحلة ما بعد الحرب الأهلية حملت سؤال وقف النزاع وتنظيم السلطة.

أما المرحلة المقبلة فتطرح سؤالاً مختلفاً، كيف نبني دولة يشعر الإنسان بأنها تمثله وتحميه؟

الجمهورية الجديدة التي يحتاجها لبنان يجب أن تغيّر العلاقة بين المواطن والسلطة.

المواطن يريد أن يعمل لأنه كفوء، لا لأنه قريب من جهة سياسية.

يريد أن يحصل على تعليم جيد لأنه حق من حقوقه، لا لأنه وجد باباً سياسياً يساعده.

يريد أن يطبع معاملاته، وأن يصل إلى الخدمات العامة، وأن يعيش بكرامة من دون أن يحمل في جيبه أرقام الزعماء.

هذه ليست مطالب كبيرة، هذه هي أبسط شروط الدولة الطبيعية.

الدولة التي تحترم مواطنيها تمنحهم شعوراً بالاستقلال. استقلال الفرد عن الحاجة الدائمة إلى وسيط، واستقلال المؤسسات عن رغبات أصحاب النفوذ.

تغيير النظام يبدأ من تحرير الدولة

عندما نتحدث عن تغيير النظام، فالقضية تتجاوز تعديل مواد دستورية أو إعادة توزيع صلاحيات بين الرئاسات.

المطلوب هو تغيير طريقة عمل الدولة نفسها.

تحرير المؤسسات من منطق الحصص، وإعادة الاعتبار إلى الكفاءة، وجعل القانون المرجعية التي يعود إليها الجميع.

لبنان يحتاج إلى دولة يشعر فيها المواطن أن القضاء يحميه عندما يختلف مع صاحب نفوذ، وأن الإدارة والمؤسسات تعمل لخدمته.

قوة الدولة لا تأتي من الشعارات التي ترفع باسمها، تأتي عندما تصبح حياة الإنسان اليومية مرتبطة بها.

عندما يمرض المواطن يعرف أين يجد الرعاية.

عندما يبحث عن عمل يعرف أن فرصته مرتبطة بقدراته.

عندما يختلف مع جهة أقوى منه يعرف أن القانون يقف إلى جانبه.

هنا يبدأ معنى الدولة.

المرحلة المقبلة: أي لبنان يريد اللبنانيون؟

لبنان يدخل مرحلة مختلفة. المنطقة تتغير، والعالم يتغير، والمجتمع اللبناني نفسه تغيّر.

الأجيال الجديدة تحمل أسئلة مختلفة عن تلك التي حكمت المراحل السابقة. كثيرون لم يعودوا يبحثون عن زعامة توفر لهم الأمان، بل عن وطن يسمح لهم بأن يبنوا حياتهم.

وهذا يضع لبنان أمام استحقاق كبير.

المرحلة المقبلة تحتاج إلى نقاش جدي حول شكل الدولة، حول طريقة توزيع الصلاحيات، وحول كيفية ضمان مشاركة جميع اللبنانيين ضمن نظام قادر على حماية الجميع.

المهم أن يبقى الهدف بناء دولة مؤسسات قوية، لأن أي صيغة سياسية مستقبلية تحتاج إلى قاعدة أساسية، وهي مواطنون يشعرون أن حقوقهم محفوظة وأن انتماءهم الوطني يمنحهم الأمان.

لبنان لا يحتاج إلى إدارة مرحلة جديدة بالأدوات القديمة.

لبنان يحتاج إلى انتقال حقيقي في طريقة التفكير بالدولة.

لبنان يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد

المشكلة الكبرى في لبنان أن العقد القديم فقد قدرته على إقناع الناس.

جيل كامل نشأ وهو يرى أن الطريق إلى النجاح يمر عبر الهجرة أو عبر الدخول في شبكة سياسية تحميه.

هذا الواقع لا يمكن أن يستمر.

الدولة التي يريدها اللبنانيون اليوم هي دولة تعطي الإنسان قيمته بعيداً عن موقعه الطائفي أو السياسي.

دولة يرى فيها المواطن نفسه شريكاً، لا تابعاً.

ربما تكون هذه أصعب لحظة في تاريخ لبنان الحديث، لكنها تحمل فرصة نادرة أيضاً. فعندما يصل مجتمع إلى مرحلة يدرك فيها أن المشكلة مرتبطة بطريقة إدارة الدولة نفسها، يصبح التغيير ضرورة وطنية.

لبنان يحتاج إلى بداية سياسية مختلفة.

إلى دولة يشعر فيها كل لبناني أن مستقبله مرتبط بوطنه، وأن كرامته محفوظة داخل مؤسساته.

هذه هي الفكرة التي يجب أن تقوم عليها الجمهورية الجديدة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى