سياسةمقالات وتقارير

اتفاق الإطار أمام لحظة الاختبار.. التنفيذ ينتظر القرار الأميركي

كتب جوني خلف

في الملفات الكبرى، غالبًا ما يكون الصمت أبلغ من التصريحات. فمنذ الإعلان عن اتفاق الإطار، لم تعد المشكلة في النصوص أو البنود، بل في السؤال الذي يتكرر يومًا بعد آخر: من يضغط على زر التنفيذ؟ وحتى الآن، لا يزال الجواب مؤجلًا، فيما تتقدم التحركات السياسية ببطء، وتبقى الوقائع الميدانية أسيرة الحسابات الإقليمية والدولية.

مصادر رسمية تؤكد أن الانطلاق الفعلي للمرحلة الأولى من الاتفاق، والتي تشمل اعتماد منطقة تجريبية وبدء الانسحاب التدريجي للجيش الإسرائيلي، لا يزال مرتبطًا بقدرة الولايات المتحدة على دفع إسرائيل نحو الالتزام بما تم التوافق عليه. وفي المقابل، تشدد المصادر على أن الجيش اللبناني استكمل استعداداته، وهو جاهز للانتشار فور توافر الظروف التنفيذية، بالتنسيق الكامل مع رئاسة الجمهورية.

ورغم هذه الجهوزية، لم يدخل الاتفاق بعد مرحلته العملية. فحتى الآن، لم يُبصر النور تشكيل اللجنة الثلاثية التي ستتولى ترجمة الملحق الأمني إلى خطوات ميدانية، بدءًا من تحديد المناطق التجريبية، وصولًا إلى وضع آلية الانسحاب ومراحل تنفيذها. وتقول مصادر مطلعة إن هذا الملف لا يزال يراوح مكانه، من دون أي تقدم ملموس.

وفي هذا الإطار، تكشف مصادر عسكرية أن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة أسهمت في تأخير إطلاق عمل اللجنة، وأرجأت اجتماعاتها، رغم وجود الجنرال الأميركي كليرفيلد في لبنان، حيث يتابع الملف بصفته رئيسًا للجنة المشرفة على التنفيذ، في محاولة للإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة بانتظار تهيئة الظروف السياسية.

وبالتوازي مع هذا المسار، تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن، والتي لم يُحدد موعدها النهائي بعد، وإن كانت التقديرات تشير إلى أنها قد تتم خلال الثلث الأخير من الشهر الجاري. ووفق مصادر رسمية، فإن التحضيرات الجارية مع الجانب الأميركي ترتكز على ملفين أساسيين: الأول يتعلق بوضع جدول زمني واضح لتطبيق اتفاق الإطار واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، والثاني يركز على دعم الجيش اللبناني، وإعادة الإعمار، وتهيئة المناخ لجذب الاستثمارات إلى لبنان.

في المقابل، لا تبدو الحركة الدبلوماسية بعيدة عن هذه التطورات. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طلب لقاءه في البيت الأبيض، مرجحًا أن يُعقد الاجتماع بعد انتهاء قمة حلف شمال الأطلسي، مؤكدًا أن العلاقة بينهما لا تزال “جيدة جدًا”. وفي الملف الإيراني، أعلن ترامب تعليق المحادثات بين واشنطن وطهران لمدة أسبوع، تزامنًا مع مراسم التشييع.

امّا طهران فتبدو وكأنها تسعى بشتى الوسائل إلى إعادة تثبيت حضورها في الساحة اللبنانية، في محاولة لاستعادة إحدى أبرز أوراقها الإقليمية قبل العودة إلى طاولة التفاوض مع الولايات المتحدة. فالإعلان عن دعم لبنان وإنهاء الاحتلال يحمل في ظاهره رسائل إيجابية، إلا أن توقيته يوحي بأن لبنان لا يزال يُستخدم كورقة ضمن حسابات إيرانية.

وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية صباح اليوم الأحد، أن وزير الخارجية عباس عراقجي أكد، خلال استقباله وفدًا من “حزب الله” قدّم التعازي بالمرشد علي خامنئي، أن طهران تتابع بجدية ملف إنهاء الحرب والاحتلال في لبنان، مشددًا على استمرار دعمها لنهج “المقاومة”، ومشيدًا بدور “حزب الله” في مواجهة إسرائيل. وهي مواقف تعكس تمسك إيران بنفوذها في لبنان.

فالمشهد يبدو بصورة وكأن كل المسارات متشابكة. فما يجري في الجنوب اللبناني، أصبح جزءًا من شبكة تفاهمات تخضع لتوازنات أميركية، إسرائيلية، وإيرانية معقّدة. ولذلك، فإن نجاح اتفاق الإطار لن يتوقف على جهوزية الجيش اللبناني أو تشكيل اللجان فحسب، بل على وجود قرار سياسي حاسم لدى الأطراف المعنية بالانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة تنفيذ الالتزامات. وحتى ذلك الحين، سيبقى الاتفاق معلقًا بين ما هو مُعلن في البيانات، وما تسمح به موازين القوى على الأرض.

جوني ج خلف – رئاسة التحرير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى