سياسةمقالات وتقارير

اتفاق واشنطن تحت النار.. الضغوط تتصاعد والمعركة تنتقل إلى رسم لبنان ما بعد الحرب

كتب جوني ج خلف

بينما تتسارع الاتصالات الدولية لإخراج لبنان من دوامة الحرب المفتوحة، يبدو أن الطريق إلى تثبيت وقف إطلاق النار لا يزال مليئاً بالألغام السياسية والميدانية. فالاتفاق الذي وُلد في واشنطن باعتباره خريطة طريق للمرحلة المقبلة، يصطدم حتى الآن بوقائع مغايرة على الأرض، حيث تتواصل الضربات الإسرائيلية بوتيرة مرتفعة، وتتعمق الانقسامات الداخلية حول كيفية مقاربة المرحلة الجديدة. وبين ضغوط الخارج وحسابات الداخل، يجد لبنان نفسه أمام اختبار دقيق قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة برمتها.

 

وفي هذا السياق، كشفت مصادر لبنانية مطلعة أن التفاهم الذي أُعلن بعد جولة المفاوضات الأخيرة في واشنطن لم يكن اتفاقاً نهائياً بقدر ما شكّل إطاراً سياسياً وأمنياً يفترض أن يترجم بخطوات عملية على الأرض. إلا أن هذا المسار، بحسب المصادر، يواجه منذ انطلاقته عقبات واضحة، أبرزها استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتوسيع نطاقها لتشمل الجيش اللبناني، إضافة إلى الموقف المعارض الذي يبديه حزب الله تجاه بعض جوانب هذا المسار.

 

ورغم هذه التعقيدات، تؤكد المصادر أن الدولة اللبنانية لا تزال متمسكة بخيار التفاوض، انطلاقاً من قناعة لدى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة الدكتور نواف سلام بأن الجولة الأخيرة أفرزت معطيات جديدة يمكن البناء عليها. وتعتبر الأوساط نفسها أن الهدف النهائي يبقى الوصول إلى تنفيذ كامل للترتيبات المطلوبة بما يؤدي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، وهو ما يشكل بالنسبة إلى بيروت المدخل الأساسي لأي استقرار طويل الأمد.

الى ذلك نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن مسؤول إسرائيلي صباح اليوم الأحد، قوله إنه من المبكر إعلان فشل اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، رغم التحديات والعقبات التي تواجه مسار تنفيذ التفاهمات القائمة على الأرض.

أما على المستوى السياسي الداخلي، فقد أثار التصعيد غير المسبوق في خطاب رئيس الجمهورية تجاه إيران وحزب الله اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية. وتوضح المصادر أن هذا الموقف لم يأتِ من فراغ، بل يعكس استياءً متنامياً داخل مؤسسات الدولة من محاولات التأثير على المسار الذي اختارته السلطة اللبنانية لمعالجة الأزمة، إضافة إلى ما تعتبره دوائر رسمية حملة تصعيد سياسي يمارسها حزب الله بأجندة ايرانية في مواجهة خيار المفاوضات.

 

وفي موازاة ذلك، حمل استهداف الجيش اللبناني أبعاداً تتجاوز الجانب العسكري المباشر. فبحسب مصادر أمنية، فإن الرسالة الإسرائيلية لا تقتصر على الميدان، بل تستهدف أيضاً المؤسسة العسكرية ودورها في المرحلة المقبلة، في مؤشر إلى رغبة إسرائيلية في رفع مستوى الضغط على قيادة الجيش في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ البلاد.

 

دبلوماسياً، تتكثف الحركة الدولية حول الملف اللبناني. وتشير مصادر مطلعة إلى وجود تنسيق مستمر بين فرنسا والسعودية وقطر ومصر بهدف مواكبة التطورات ومنع انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التدهور. كما برز خلال زيارة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت اهتمام فرنسي بطرح “المناطق التجريبية” كخطوة قد تفتح الباب أمام حلول عملية قابلة للتطبيق، بعيداً عن المقاربات التقليدية التي أثبتت محدودية فعاليتها.

 

وفي الإطار نفسه، تناولت المباحثات الفرنسية مسألة مستقبل الوجود الدولي في الجنوب، حيث أبدت باريس استعدادها للانخراط في أي ترتيبات دولية قد تلي مهمة اليونيفيل، بالتوازي مع تعزيز الدعم المخصص للجيش اللبناني وتكريس مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة.

 

وفي مؤشر إضافي إلى حجم الرهان الدولي على المؤسسة العسكرية، تتقاطع المعلومات حول زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى باكستان مع مساعٍ قائمة لتأمين دعم عسكري ولوجستي إضافي للجيش اللبناني عبر إسلام آباد وبتنسيق مباشر مع واشنطن، في إطار خطة أوسع تهدف إلى تعزيز قدرات الجيش خلال المرحلة المقبلة.

 

وبناءً على مجمل هذه المعطيات، يبدو أن لبنان دخل فعلياً مرحلة جديدة تتجاوز مجرد تثبيت وقف إطلاق النار. فالمعركة الأساسية باتت تدور حول شكل التوازنات التي ستنشأ بعد الحرب، وحول الجهة التي ستملك القدرة على فرض قواعد اللعبة الجديدة. وبين إصرار المجتمع الدولي على الدفع نحو ترتيبات أمنية وسياسية مختلفة، وتمسك القوى المحلية بمواقفها المتباينة، تبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت المفاوضات ستنجح في تحويل التفاهمات إلى واقع ملموس، أم أن البلاد ستبقى أسيرة التصعيد المتبادل والانفجارات الدورية التي تهدد بإعادة خلط الأوراق من جديد.

 

جوني ج خلف – رئاسة التحرير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى