
بين نارٍ لم تنطفئ بالكامل، وهدنةٍ قابلة للانفجار في أي لحظة، يبدو أنّ لبنان دخل فعلياً مرحلة العدّ العكسي لمسار سياسي ـ أمني جديد، تُطبخ تفاصيله بعيداً عن الإعلام، فيما الجنوب لا يزال معلّقاً بين احتمال التهدئة وخطر العودة إلى المواجهة المفتوحة.
فما يجري لم يعد مجرد نقاش تقني حول وقف إطلاق النار، بل مسار سياسي ـ أمني كامل، يبدأ من الميدان ولا يُعرف أين ينتهي.
ورغم انكفاء الداخل السياسي على قراءة نتائج الجولة الأخيرة، إلا أنّ الكواليس الدبلوماسية بدت أكثر تركيزاً على مرحلة ما بعد التمديد، إذ تشير المعطيات إلى أنّ الأسابيع المقبلة ستُستثمر لاختبار إمكانية تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى هدنة أكثر استقراراً، بالتزامن مع التحضير لاجتماع أمني يُعقد في 29 أيار داخل وزارة الحرب الأميركية، بهدف وضع آليات واضحة تضمن التزام كلٍّ من إسرائيل و«حزب الله» بالتهدئة.
وبحسب المعطيات، فإنّ الاجتماع المرتقب سيبحث ملفات تُعدّ الأكثر حساسية منذ بدء المواجهات، وفي مقدمها حصر السلاح، وتعزيز الألوية القتالية في الجيش اللبناني، إضافة إلى آلية الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب. كما سيُناقش ملف تفعيل آلية مراقبة وقف إطلاق النار الـMechanism، ولا سيما ما يتعلق بآلية التحقق المستقلة.
المعلومات نفسها تشير إلى أنّ الوفد الإسرائيلي حاول الدفع نحو مهلة أقصر لتمديد وقف إطلاق النار، إلا أنّ الوفد اللبناني تمكّن من تثبيت مهلة الـ45 يوماً بصيغتها الحالية.
وفي واشنطن، طرح الوفد اللبناني تصوراً متكاملاً لمسار الحل، يبدأ بوقف إطلاق النار، ثم الانسحاب الإسرائيلي، يليه تبادل الأسرى، وصولاً إلى إعادة الإعمار وعودة النازحين.
في المقابل، رفعت إسرائيل سقف مطالبها السياسية والأمنية، واضعةً ملف حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية في صدارة النقاش، إلى جانب توسيع سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، ضمن مسار تدريجي للتنفيذ. وبحسب المعطيات، فإنّ الجانب الأميركي تعامل بمرونة مع الطرح اللبناني خلال المحادثات، من دون أن يُسقط الشروط الأمنية المطروحة على الطاولة. وكشفت المصادر أنّ بيروت دفعت باتجاه تثبيت هدنة شاملة تمتد لـ45 يوماً، تتضمن وقفاً كاملاً لاستهداف المدنيين والبنى التحتية، في محاولة لمنع أي انفجار ميداني جديد. وفي المقابل، أبلغت إسرائيل الوسطاء استعدادها للتجاوب مع هذا الطرح، لكن تحت شرط أساسي يتمثل بوقف «حزب الله» لكل عملياته العسكرية خلال فترة الهدنة.
وفي موازاة الاتصالات الجارية، تشير المعلومات أنّ الدولة اللبنانية نقلت إلى «حزب الله»، عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، العرض الإسرائيلي الكامل بما يتضمنه من شروط وضمانات، فيما لا يزال القرار النهائي قيد الانتظار، وسط ترقب لما سيحمله رد الحزب في الساعات أو الأيام المقبلة.
وبينما تتسارع التحضيرات لاجتماع 29 أيار، تتجه الأنظار إلى الملفات الأمنية والعسكرية الثقيلة التي ستُطرح مباشرة بين الجانبين، في وقت لا تزال فيه الدولة اللبنانية متأخرة عن تشكيل وفدها العسكري الرسمي، رغم حساسية المرحلة ودقة المفاوضات المرتقبة.
أما في حال صمود الهدنة، فتقول المعلومات إنّ المرحلة التالية ستشهد بدء تنفيذ خطوات متدرجة تشمل الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز دور الجيش اللبناني، وتوسيع سلطة الدولة، تمهيداً للدخول في ملف إعادة الإعمار.
وفي ظل تعقيدات المشهد الميداني والسياسي، تؤكد مصادر رسمية أنّ خيار المواجهة لم يعد مطروحاً على الطاولة الدولية، وأنّ التفاوض بات المسار الوحيد المطروح لمنع الانزلاق نحو تصعيد أوسع. وفي هذا الإطار، سيتولى السفير سيمون كرم رئاسة جولتَي 2 و 3 حزيران، حيث يُفترض أن تنتقل المباحثات إلى ملفات أكثر حساسية، تشمل تثبيت الحدود، والنقاط المتنازع عليها، إضافة إلى ملف الأسرى.
لكن خلف كل هذه الاجتماعات، يبقى السؤال الأكبر: هل نحن أمام هدنة مؤقتة لشراء الوقت، أم أمام بداية مسار سياسي جديد يُعاد عبره رسم التوازنات في الجنوب ولبنان والمنطقة؟
لكن يبدو أنّ ما يجري خلف الكواليس يتجاوز بكثير مجرد تثبيت هدنة أو تمديد وقف إطلاق نار. فالمفاوضات دخلت عملياً في صلب إعادة رسم التوازنات الأمنية والسياسية في لبنان والمنطقة، من الجنوب إلى شكل الدولة نفسها.
وما يُطرح اليوم ليس فقط كيفية إيقاف الحرب، بل من سيمسك بقرارها مستقبلاً، وكيف سيُعاد توزيع النفوذ والصلاحيات والمعادلات الداخلية في مرحلة ما بعد المواجهة.
لذلك، تبدو الأسابيع المقبلة مفصلية، لأنّ نتائجها قد لا تحدد فقط مصير الهدنة… بل شكل لبنان السياسي والأمني لسنوات طويلة قادمة.
جوني ج خلف – رئاسة التحرير




