سياسةمقالات وتقارير

بعد فشل المفاوضات الأميركية–الإيرانية… الشرق الأوسط على حافة التصعيد وتباينٌ قد يعرقل مسار التفاوض اللبناني–الإسرائيلي

كتب جوني خلف: 

 

في لحظةٍ تبدو فيها السياسة وكأنها تُدار على إيقاع اختبار النوايا لا نتائجها، تتحرّك القوى الكبرى بخطوات محسوبة، تضع الدبلوماسية في الواجهة… لكن تحتها ضجيجُ مواجهةٍ يتصاعد. من إسلام آباد إلى الخليج، ومن واشنطن إلى تل أبيب، تتقاطع الرسائل: لا اتفاق قريب، والاستعداد للأسوأ بات خياراً مطروحاً بجدّية.

 

في هذا السياق، دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنائبه جي دي فانس، المعروف بموقفه المتحفّظ تجاه الحرب، إلى طاولة محادثات في إسلام آباد مع الإيرانيين. خطوة لم تكن بريئة من الحسابات، بقدر ما بدت محاولة لوضعه أمام واقع التعقيد الإيراني، وإقناعه عملياً بأن التفاهم في هذه المرحلة أقرب إلى المستحيل. وكما كان متوقعاً، لم تفضِ المحادثات إلى نتيجة تُذكر، ما أعاد فانس إلى واشنطن محمّلاً بخيبةٍ سياسية، تُضعف موقفه داخل الإدارة وتُمهّد لترامب فرض خيار التصعيد دون معارضة تُذكر من معسكره الداخلي.

هكذا، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة العدّ العكسي لاحتمال توسّع المواجهة. الأسواق المالية وقطاع الطاقة يراقبان بحذر، فيما تتكاثر المؤشرات على تغييرات أعمق، خاصة مع حديث ترامب مؤخراً عن “إعادة تشكيل النظام العالمي الجديد”، في ظل توجّه متسارع نحو اقتصاد العملات الرقمية والتحوّل إلى أنظمة مالية بديلة. 

لكن ما يجري خلف الكواليس لا يقلّ أهمية عن التصريحات. فبينما كان الوفد الأميركي يجلس إلى طاولة التفاوض، كانت القوات الأميركية تواصل ولا تزال تعزيز حضورها العسكري، في مشهد تعبئة واضح، تواكبه استعدادات إقليمية من دول المنطقة لإعادة رسم التحالفات، تحسّباً لمواجهة قد تكون الأكبر منذ سنوات.

الى ذلك، نشر الرئيس الاميركي دونالد ترامب على حسابه على منصة “تروث سوشال” مقالا يتحدث عن إمكان فرض حصار بحري على إيران على غرار ما جرى في فنزويلا.

في المقابل، صعّد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من لهجته السياسية، مبدياً انفتاحه على إبرام اتفاق مع لبنان، وصفه بـ«سلام طويل الأمد»، لكنه قيّده بشرطٍ بالغ التعقيد يتمثّل في نزع سلاح حزب الله. هذا الطرح، الذي جمع بين لغة التسوية وشروطها القاسية، ترافق مع نبرة تهديد واضحة، إذ تحدّث عن قدرة جيشه على تنفيذ ضربات واسعة النطاق خلال وقت قياسي، متحدثا عن «مناطق عازلة» تمتد من لبنان إلى سوريا وصولاً إلى غزة.

وفيما تتجه الانظار الى يوم الثلاثاء المقبل، حيث سيعُقد اول لقاء إسرائيلي – لبناني على مستوى السفراء، لبدء مرحلة التفاوض الذي وبحسب المعطيات قد يكون ولِد ميتًا، يبدو أن الهوّة تتسع أيضاً في مقاربة المسار التفاوضي بين البلدين، حيث يصرّ الجانب اللبناني على أن يركّز لقاء الثلاثاء على ملف وقف إطلاق النار كأولوية، فيما تدفع إسرائيل باتجاه تحويله إلى منصة للبحث في اتفاق سلام شامل. وبينما يُدرج لبنان بند وقف النار في مقدّمة أولوياته على طاولة النقاش، يتّجه الطرف الإسرائيلي إلى تصدير ملف نزع سلاح حزب الله كمدخل أساسي لأي بحث. 

داخليًا، لا تبدو الصورة أقل تعقيداً. فوسط تصاعد الغضب الشعبي لمناصري الثنائي، الذي تجلّى في تظاهرة أمام السراي الحكومي رفضاً لأي تفاوض مباشر، فضّل رئيس الحكومة نواف سلام التريّث، مؤجلاً زيارته إلى الولايات المتحدة. خطوة أُحيطت بتفسيرات عدة، قبل أن تؤكد مصادر مقرّبة من السراي أن القرار لا يرتبط بمسار وقف إطلاق النار أو المفاوضات، بل ببرنامج زيارة كان مُعدّاً مسبقاً، على أن يُتابع سلام الاتصالات الدبلوماسية من بيروت، واضعاً أولوية حماية الاستقرار ووحدة اللبنانيين.

وكان مستشار المرشد الأعلى الإيراني، علي أكبر ولايتي، قد حذّر رئيس الحكومة نواف سلام من مغبّة تجاهل دور حزب الله والمقاومة، معتبراً أنّ «إغفال هذا الدور المحوري، الذي لا بديل عنه، يضع لبنان أمام مخاطر أمنية يصعب تداركها».

وفي منشور عبر منصة «إكس»، شدّد ولايتي على أنّ «استقرار لبنان يبقى رهناً بالتكامل والتعاون الوثيق بين الدولة والمقاومة»، مشيراً إلى أنّ «الدبلوماسية المقتدرة التي تنتهجها إيران اليوم تشكّل دليلاً واضحاً على قدرتها في حماية استقرار المنطقة، في ظل ما وصفه بالاقتدار الوطني الإيراني».

في المقابل، شددت أوساط حزب الله على أن الحزب لا يملك أجندة مرتبطة بالحكومة، وأنه معني بتحمّل مسؤولياته في إدارة المرحلة بأعلى درجات الانضباط. كما أكدت هذه المصادر أن الحزب لم يدعُ إلى التحركات الشعبية الأخيرة، لكنه يدعم حرية التعبير ضمن سقف الحفاظ على السلم الأهلي. أما في ما يخص المفاوضات، فالموقف واضح: لا يمكن الذهاب إلى أي مسار تفاوضي قبل وقف إطلاق النار.

 

إذًا، تبدو كل الأطراف وكأنها تتحرّك ضمن هامشٍ ضيّق بين خيارين: دبلوماسية بلا نتائج، أو تصعيد قد يفرض وقائع جديدة بالقوة. وبينهما، يقف لبنان مجدداً في قلب العاصفة، يراقب، ينتظر، ويحاول أن يتفادى أن يكون ساحةً لتصفية الحسابات الكبرى.

 

فهل تكون هذه التحركات مقدّمة لانفجارٍ واسع يعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة؟ أم أن ضجيج الحرب سيبقى، كما في مرات سابقة، وسيلة ضغطٍ للوصول إلى تسويات مؤجلة؟

الجواب، حتى الآن، لا يزال معلقاً… لكن المؤكد أن ما بعد هذه المرحلة، لن يشبه ما قبلها.

 

جوني خلف – رئاسة التحرير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى