تصعيد مفتوح… تهديدات إقليمية وتطورات ميدانية تُفاقم المشهد في لبنان

كتب جوني خلف:
في لحظة إقليمية مشتعلة، لا تُقاس فيها المواقف بحجم الكلمات بل بثقل الرسائل التي تحملها، يعود التصعيد ليخيّم على المشهد، فاتحًا الباب أمام سيناريوهات تتراوح بين الاحتواء والانفجار. فالتصريحات لم تعد مجرّد مواقف سياسية، بل تحوّلت إلى إشارات مباشرة على طبيعة المرحلة المقبلة، حيث تختلط الضغوط بالإنذارات، وتضيق المساحات أمام الحلول الوسط.
في هذا السياق، جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداته تجاه إيران، محدّدًا مهلة لا تتجاوز 48 ساعة للتوصل إلى اتفاق، أو الذهاب نحو خطوات حساسة من بينها فتح مضيق هرمز. ولم تخلُ تصريحاته من نبرة تصعيدية حادة، إذ حذّر من “عواقب قاسية”، مشيرًا إلى أن “الجحيم قد يهطل” في حال عدم الاستجابة، في تعبير يعكس مستوى التوتر الذي بلغته المواجهة.
هذا التصعيد ينعكس بصورة مباشرة على لبنان، الذي يجد نفسه مجددًا في قلب ارتدادات إقليمية تتجاوز قدرته على التحصين الكامل، وسط مشهد يزداد ضبابية يوماً بعد يوم، وتتحكم به حسابات دقيقة للغاية وترقّب حذر يطغى على مختلف المستويات. ورغم أن الاستقرار الأمني الداخلي لا يزال قائمًا في حدّه الأدنى، إلا أن منسوب القلق يتصاعد تدريجيًا وبشكل متدرّج، في ظل إدراك متزايد بأن أي تغيير في وتيرة الاشتباك الإقليمي، مهما بدا محدودًا أو موضعيًا، من شأنه أن يترك انعكاسات مباشرة وسريعة على الساحة اللبنانية، التي تبقى بطبيعتها شديدة الحساسية ولا تحتمل مزيدًا من الاهتزازات أو الاختبارات المفتوحة على المجهول.
داخليًا، تتركّز الأنظار بشكل لافت على ما سيصدر اليوم عن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في محطة توصف بأنها مفصلية خلال زيارته إلى بكركي للمشاركة في قداس عيد الفصح. وتكتسب هذه الزيارة بعدًا مضاعفًا مع الخلوة المرتقبة التي ستجمعه بالبطريرك مار بشارة بطرس الراعي، والتي يُنتظر أن تسبق موقفًا رئاسيًا يُفترض أن يتجاوز حدود البروتوكول، ليحمل إشارات سياسية دقيقة تعكس قراءة متكاملة لمرحلة شديدة الحساسية، وما تفرضه من تحديات داخلية وخارجية متشابكة، حيث تتجاوز أهمية هذا الموقف إطاره الظرفي، لتتصل مباشرة بسقف الخطاب الذي رفعه البطريرك الراعي في رسالته الفصحية، حيث وضع مسألة السيادة في صلب النقاش، محذرًا من واقع الاستباحة الذي يطال لبنان من قبل إسرائيل وإيران وحزب الله. وهو طرح يعكس حجم القلق بما يجعل لبنان في قلب معادلة إقليمية معقدة.
وفي موازاة المشهد العلني، تتكشّف في الكواليس الدبلوماسية نقاشات أكثر عمقًا وحساسية تتناول مستقبل الدور الأمني والعسكري في لبنان، حيث تتركّز الجهود على بلورة صيغة شاملة لدعم الجيش اللبناني وتمكينه من الاضطلاع بدور مركزي في معالجة ملف السلاح غير الشرعي في مرحلة ما بعد الحرب. وتشير المعطيات إلى أن هذه النقاشات لم تعد محصورة في إطار الدعم التقليدي، بل باتت تلامس تصورات أوسع تتدرج من تعزيز القدرات اللوجستية والتجهيزات المتقدمة، إلى طرح فكرة عقد مؤتمر دولي خاص بالجيش، وصولًا إلى خيارات أكثر حساسية تتصل بإمكانية توفير مظلة دعم عربية وغربية مباشرة، بما يعزز حضور المؤسسة العسكرية على الأرض من دون الانزلاق إلى سيناريوهات قسرية أو اللجوء إلى الفصل السابع، في مسعى لإنتاج مقاربة متوازنة تجمع بين الفاعلية السياسية وقابلية التطبيق الواقعي.
على المستوى الدبلوماسي، يخيّم صمت لافت أقرب إلى المراقبة المشدودة، يعكس ترقّبًا محسوبًا لما ستؤول إليه التطورات الإقليمية، في ظل انكفاء واضح للسفراء المعنيين بالملف اللبناني، وامتناعهم عن أي تحرّك مباشر بانتظار اتضاح الصورة وبلورة اتجاهات المرحلة المقبلة. هذا الهدوء الظاهري لا يحمل طابع اللامبالاة بقدر ما يعكس إعادة تموضع مؤقتة، تُدار فيها الملفات من خلف الستار بقدر عالٍ من الحذر والدقة.
في المقابل، تتحرك الساحة الداخلية على إيقاع مختلف تمامًا، حيث تتكثف الاتصالات السياسية والأمنية بعيدًا عن الأضواء بوتيرة متسارعة، في محاولة لاحتواء أي ثغرات محتملة قد تُستغل في لحظة هشّة. وتلتقي هذه الجهود عند عنوان واحد يتقدّم على سواه: منع أي انزلاق نحو الفتنة أو الاقتتال، وتثبيت الحد الأدنى من التماسك الداخلي في بلد يقف على تخوم مرحلة شديدة الدقة، تتداخل فيها المخاوف مع الحسابات، وتضيق فيها هوامش الخطأ إلى أقصى حدودها.
إذًا، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات دقيقة ومتسارعة، بطريقة تجعل أي تطور صغير قادرًا على إحداث أثر أكبر من حجمه. وبين تصعيد دونالد ترامب وترقّب ما سيصدر عن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، تتقدّم حسابات اللحظة على ما عداها، في ظل مشهد لا يزال يُدار بحذر شديد.
وفي هذا السياق، تبقى الساعات المقبلة محكومة بترقّب ثقيل، حيث تتحدد ملامح الاتجاه العام بين مسار يرسّخ الحد الأدنى من الاستقرار، أو تطورات قد تعيد خلط الأولويات على نحو سريع وغير متوقّع.
يبدو ان لبنان سيَمرّ في دربٍ طويل من الألم، ليخرج منه أكثر صلابة، كما تدحرَجت الصخرة عن القبر في صباح القيامة، فتنبثق الحياة من قلب العتمة.
ميدانيًا، شهدت بلدة كفرحتى في إقليم التفاح تطورًا لافتًا، حيث سُجّلت حركة نزوح كبيرة من عدد من الأحياء والمنازل، عقب إنذارات ليلية وُجّهت من قبل الجيش الإسرائيلي طالبت السكان بإخلاء المنطقة.
وبعد موجة النزوح التي شهدتها البلدة ومحيطها، شنّت الطائرات الحربية سلسلة غارات متتالية استهدفت المنطقة، ما أدى إلى دمار كبير واستشهاد ثلاث مواطنين على الأقل بينهم سيدتان.
ومنذ قليل، دوَت صفارات الإنذار في الجولان بعد إطلاق صواريخ من لبنان
وفجرًا، استشهد ثلاث اشخاص في غارة إسرائيلية على بلدة صديقين جنوبي لبنان.
بقلم جوني خلف – رئاسة التحرير




