سياسة

بين حسابات واشنطن ونار الميدان.. المنطقة في قلب الانفجار الكبير

كتبَ جوني خلف:

 

في سباقٍ محموم بين الحسابات العسكرية والوقائع الميدانية، تبدو المنطقة وكأنها دخلت مرحلة كسر العظم، حيث تُرسم خرائط النار أسرع مما تُرسم خرائط السياسة، وتتحول الأرقام إلى مؤشرات خطرة على مسار حرب مفتوحة لا تزال تزداد اشتعالًا.

تؤكد واشنطن أنها حققت تقدمًا كبيرًا في استهداف البنية العسكرية داخل إيران، معتبرة أنها قطعت شوطًا واسعًا في تنفيذ أهدافها، مع بقاء جزء من هذه الأهداف قيد المعالجة. ووفق هذا التقييم، يُفترض أن لا يطول أمد المواجهة كثيرًا ضمن الحسابات الأميركية. غير أن هذه المقاربة تبقى نظرية إلى حدّ كبير، إذ إن تعقيدات الميدان وتداخل العوامل الإقليمية تنذر بمرحلة أكثر حدّة واتساعًا، قد تتجاوز التقديرات المسبقة وتدفع نحو تصعيد أكبر في مسار الحرب.

المواجهة لم تعد محصورة بجبهتين، بل في تعدد الساحات، من إيران إلى لبنان وصولًا إلى إسرائيل والخليج، مع انخراط الحوثيين واتساع رقعة الاشتباك نحو البحر، وفي هذا الصباح، شُنّت غارات عنيفة استهدفت مواقع للحشد الشعبي في الموصل بشمال العراق. في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى نقاط استراتيجية حساسة، أبرزها جزيرة خرج، ومضيق هرمز، وباب المندب، إضافة إلى منشآت الطاقة النووية والكهربائية، باعتبارها مفاتيح ضغط أساسية في هذه الحرب، فجميع الأطراف سوف تلجأ إلى تعظيم الضربات وتكثيف الضغط، في محاولة لفرض وقائع جديدة قبل أي مسار تفاوضي محتمل. وفي ظل هذا الواقع، تتراجع الضوابط إلى حدّها الأدنى، ما يفتح المجال أمام تصعيد متدحرج لا تعيقه سقوف واضحة.

وسط هذا التصعيد، تبرز بارقة خجولة تتمثل في الاجتماع الرباعي الذي سيُعقد اليوم في باكستان، والذي يضم السعودية ومصر وتركيا إلى جانب الدولة المضيفة، حيث يُتوقع أن يطرح مسارين متوازيين: الدفع نحو خفض التوتر، والتشديد على ضرورة وقف استهداف دول الخليج، في محاولة لإعادة ضبط إيقاع المواجهة.

ميدانيًا، تكشف المعطيات الأميركية عن استعدادات لمرحلة أكثر خطورة، مع تحضيرات في وزارة الدفاع الأميركية لعمليات برية قد تمتد لأسابيع داخل إيران، بالتزامن مع إرسال آلاف الجنود ومشاة البحرية إلى الشرق الأوسط، ما قد يشكل تحولًا نوعيًا في مسار الحرب، خصوصًا في حال قرر الرئيس دونالد ترامب الذهاب نحو مزيد من التصعيد.

في المقابل، رفعت طهران سقف تهديداتها، إذ لوّح الحرس الثوري الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، ردًا على تدمير جامعتين داخل إيران بفعل ضربات أميركية وإسرائيلية. ودعا الحرس العاملين والطلاب إلى الابتعاد لمسافة لا تقل عن كيلومتر واحد عن هذه المؤسسات، في مؤشر على اتساع دائرة الأهداف.

أما على الساحة اللبنانية، فتتحرك المساعي الدبلوماسية، ولا سيما المصرية والفرنسية، في محاولة لاحتواء التصعيد الإسرائيلي، إلا أن هذه الجهود تصطدم حتى الآن بغياب التجاوب من الجانب الإسرائيلي.

في الميدان، يتصاعد المشهد بشكل لافت، حيث عمد الطيران الحربي الإسرائيلي إلى خرق جدار الصوت ليلًا فوق مناطق لبنانية عدة، محدثًا دويًا عنيفًا، بالتوازي مع سلسلة غارات استهدفت قرى في الجنوب وأسفرت هذه الضربات عن سقوط ضحايا.

وفي تطوّر يثير الكثير من علامات الاستفهام، أقرّ الجيش الإسرائيلي بأن إحدى عملياته طالت “علي شعيب” وهو مراسلًا صحافيًا، مبرّرًا ذلك بادعاءات تتعلق بارتباطه بـ”قوة الرضوان”، في خطوة تعكس تحوّلًا مقلقًا في طبيعة بنك الأهداف وتوسّعه ليشمل فئات لم تكن تقليديًا ضمن دائرة الاستهداف المباشر. (يُذكر أن استهداف شعيب أدّى أيضًا الى استشهاد الصحافية في قناة الميادين فاطمة فتوني وشقيقها المصوّر محمّد فتوني الذين كانا في السيارة المستهدفة على طريق جزين – كفرحونة)

بالتوازي، تتزايد الضغوط داخل إسرائيل لتوسيع العملية البرية جنوبًا، إلى ما بعد الخط الحالي الذي يصل إلى نحو 8 كيلومترات من الحدود، مع حديث عن سيناريو قد يؤدي إلى عزل جنوب لبنان بالكامل والتوغل لمسافات أعمق.

 

السفير الإيراني

في ملف دبلوماسي حسّاس، تشير المعطيات إلى أن قرار طرد السفير الإيراني قد أصبح أمرًا واقعًا غير قابل لإعادة النظر، إلا أن السفير لن يغادر ضمن المهلة المحددة والتي من المفترض ان تكون اليوم، في خطوة توحي بتحدي القرار الرسمي بدعم من قوى الممانعة. وبذلك، قد يتحول وجوده إلى حالة شاذة دبلوماسيًا، أشبه بإقامة قسرية داخل السفارة، في ظل عجز الدولة عن اتخاذ إجراءات مباشرة داخل الحرم الدبلوماسي، مع إبقاء هامش للتحرك القانوني في حال خروجه.

هكذا، تتداخل المسارات العسكرية والسياسية والدبلوماسية في مشهد بالغ التعقيد، حيث لا شيء محسوم بعد، سوى أن المنطقة تقف على حافة مرحلة أكثر خطورة، تُكتب معالمها بالنار، وتُحسم بتوازنات الميدان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى