سياسةمقالات وتقارير

بين الداخل المضطرب والخارج الضاغط.. الحريري في قلب المشهد… رسائل محسوبة لكل الأطراف!

كتب جوني خلف:


لم يكن في بيروت أمس مجرّد ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري فحسب، بل كان تأكيد على المكانة التي يحتلها سعد الحريري في قلوب الناس و “المستقبليين” . فما ظهر جليًا هو أن ناخبي “التيار الازرق” دائمًا متفاعلون ومستعدون للوجود. فوسط حركة متسارعة بين الداخل اللبناني والتوازنات الإقليمية والدولية، وفي الذكرى الـ 21 لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، ظهر الرئيس سعد الحريري امس بخطاب لا يشير إلى عودته المباشرة إلى الحياة السياسية، بل يركّز على العودة إلى الانتخابات النيابية، قائلًا “سيسمعون أصواتنا وسيعدّونها” من دون أن يوضح ما إذا كان سيخوضها شخصيًا، رابطًا كل ذلك بإمكانية إجراء هذه الانتخابات أو تأجيلها حسب الظروف القائمة، في خطوة تعكس استراتيجية محسوبة لإبقاء هامش المناورة مفتوحًا. 


قراءة حريرية للمشهد الداخلي

وفي دردشة مع الصحافيين، قدم سعد الحريري رؤية مركّزة للمشهد اللبناني الداخلي، تظهر حرصه على المحافظة على التوازنات الدقيقة وسط واقع معقد. حيثُ أكد الحريري أنّ الأجواء الحالية لا تسمح بالانتخابات، في إشارة إلى أن أي تحرك سياسي يحتاج إلى تقدير دقيق للظروف الداخلية والخارجية، مع تجنّب الانزلاق في خلافات عربية–عربية قد تُعقّد المعادلة اللبنانية. وفي الوقت نفسه، شدد الحريري على أن الأولوية هي الاستقرار قبل الإصلاحات، مؤكدًا أن البلاد بحاجة إلى تهدئة وإدارة رشيدة خلال المرحلة الحالية، وأن الحكومة القائمة “كنت احلم أن أشكل مثلها” وهي تمثّل نموذجًا يُحتذى به.

لم يغفل الحريري الملف الأمني، إذ وجّه تحيّة للجنوبيين، ووصف ما يحصل في الجنوب من هجمات إسرائيلية بأنه جرائم حرب. وعن زيارته سوريا، أعلن الحريري أن زيارته إلى دمشق قريبة، مؤكّدًا في الوقت ذاته أن أمام “الشرع” تحديات كبيرة تستدعي معالجتها خلال المرحلة المقبلة. كما وجّه تحية إلى الكويت، مذكّرًا بدورها الداعم للبنان.

الجانب الاقتصادي لم يغفل عنه ايضًا، فالحريري حذر من تحميل الدولة أكثر مما تتحمّله الودائع، مشيرًا إلى أن لبنان يملك ثروات كبيرة، لكن سوء الإدارة يضعف الاستفادة منها ويهدد الاستقرار المالي والسياسي. وفي سياق تعزيز الوحدة الداخلية، شدّد على أن حزب الله جزء من المكوّن اللبناني، وأن وجوده في الحكومة يوفر أرضية للحوار مع الأحزاب الشيعية، ما يرسّخ فكرة أن الاستقرار في لبنان لا يُصنع بالقوة أو الصدام، بل من خلال التوافق بين المكوّنات والطوائف.


الداخل ينتظر… والخارج يراقب

 على الصعيد الحكومي، تتجه الأنظار غدًا الاثنين إلى قصر بعبدا مع انعقاد مجلس الوزراء لمناقشة ثلاثين بندًا في جدول أعماله ومنها رواتب العسكريين والقطاع العام، في وقت يتزامن مع كلمة مرتقبة لأمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم. تأتي الجلسة في توقيت حساس، وذلك بعد عودة قائد الجيش العماد رودولف هيكل من جولته إلى الولايات المتحدة والمملكة العربيةالسعودية، مما يزيد من أهميتها على الصعيدين الأمني والسياسي، الى ذلك اتفقت اللجنة الخماسية على عقد الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش في القاهرة بتاريخ 24 شباط الحالي، بعد تأجيله سابقًا نتيجة تأخر الجيش في إعداد تقريره عن حصر السلاح شمال الليطاني. الهدف واضح: تنسيق الدعم المالي والعسكري قبل مؤتمر باريس في 5 آذار. فمضمون التقرير سيحدد سقف الالتزامات الدولية ويضع لبنان على خريطة اللعبة الدولية، ما يجعل كل خطوة على الأرض مرتبطة مباشرة بالموازين الدولية، والاستقرار رهينة تقديرات دقيقة.


غارات وضغط مستمر

وفي منتصف الليل جنوبًا، أعاد العدو الإسرائيلي تذكير اللبنانيين بهشاشة الواقع الأمني: غارات إسرائيلية على مرتفعات إقليم التفاح، زعم فيها الجيش الاسرائيلي انها استهدفت مستودعات وبنى تحتية تابعة لـ«حزب الله» في رسائل ضغط، تثبت أن أي خطوة سياسية ترتبط مباشرة بالواقع الميداني.


إيران وواشنطن… لعبة القوة والتفاوض

على الصعيد الدولي والإقليمي، بدا التوتر الأميركي–الإيراني يتصاعد بين التهديد والديبلوماسية. إذ أكّد “روبيو” صعوبة التوصّل لاتفاق مع إيران، رغم استعداد الرئيس الأميركي دونالد ترامب للقاء أي طرف بما فيها “خامنئي”  إذا اقتضت الحاجة. التحضيرات لجولة ثانية في جنيف، واستعداد الجيش الأميركي لعمليات ممتدة، تظهر تداخل التفاوض مع لغة القوة. إيران بدورها تلتزم بالملف النووي فقط، وتعتبر برنامجها الصاروخي وفصائلها المدعومة مسألة سيادية غير قابلة للتفاوض. لبنان هنا ليس مراقبًا فقط، بل مساحة دقيقة تتأثر مباشرة بأي تصعيد خارجي.


الغموض أداة…

خطاب ونظرية الحريري، الإنتخابات النيابية، عقدة تصويت المنتشرين، الجيش، التطورات في الجنوب،الخروقات والعدوان الاسرائيلي، مقررات الحكومة، الودائع والبنك الدولي، السلاح شمال الليطاني، والتوتر الإقليمي، كلها تختصر واقعًا هشًّا يحتاج عينًا فاحصة. الغموض ليس فراغًا، بل أداة لاستثمار هامش المناورة. اليوم، لبنان يحتاج الى أن يقرأ خارطة القوى العالمية والاقليمية بدقّة وكل ما يحصل من تغيّرات، قبل أن تضيع الفرص في لحظة فاصلة من تاريخه.


بقلم جوني خلف ـ رئاسة التحرير

https://whatsapp.com/channel/0029VamMQyQ6GcG4v9zovx2y

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى