من الإضاءة الرمزية إلى التهديد بـ”مواجهة كربلائية”.. الحزب يضع نفسه خارج قرارات الدولة

كتبَ جوني خلف:
برزت في الأيام الأخيرة بلبلة إضاءة صخرة الروشة كمشهد رمزي تحوّل إلى مؤشر سياسي واضح على التباين العميق بين الحكومة وحزب الله. فقد تمت الإضاءة رغم التعميم الحكومي بمنعها، في تحدٍ مباشر لقرار صادر عن رئيس الحكومة نواف سلام، ما أعاد فتح ملف العلاقة المعقدة بين الحزب والدولة، حيث يظهر أن حزب الله لا يرى نفسه ملزمًا بأي قرار حكومي يتعارض مع رسائله أو أهدافه.
وفي اجتماع السراي الحكومي التشاوري الذي دعى إليه سلام عقب مخالفة الحزب لقرار الدولة والعمل بعكس ما أعطيَ من ترخيص للتجمّع يوم الخميس الفائت، تم عرض الوقائع التي رافقت التجمع عند الصخرة، وتم تحديد المسؤوليات. ودُعيت القوى الأمنية والقضائية إلى ملاحقة المخالفين، فيما ستخضع الجمعية اللبنانية للفنون “رسالات” للتحقيق بعد مخالفتها مضمون العلم والخبر وفق المعلومات. وكان نائبا حزب الله أمين شري وإبراهيم الموسوي قد طرحا تسوية على وزير الداخلية تقضي بإقامة التجمع من دون فقرة الإضاءة، لكن الحجّار شدد على أن أي موافقة تستوجب توقيع رئيس الحكومة نواف سلام، في ظل وجود تعميم رسمي واضح.
رغم تأكيد الحزب لاحقًا أنه لم يتعهد بإضاءة أو عدم إضاءة الصخرة، فإن حضور مسؤول التنسيق والارتباط في الحزب وفيق صفا أعطى ما يشبه غطاءً لما جرى، خاصة مع توجيه كلام غير لائق بحق رئيس الحكومة من بعض المتواجدين بحضوره، ما أثار تساؤلات من أوساط محلّية حول دور الحزب في تجاوز سلطة الدولة وشرعنة الخطاب التصادمي، والذي كان الأجدى به أن يضيء “حديقة مارون الراس” في تحدٍ بوجه العدو الإسرائيلي، بدلًا من تحدّي الدولة وأبناء بيروت.
وأمس، وخلال خطاب ألقاه الشيخ نعيم قاسم في ذكرى استشهاد نصرالله و صفي الدين، رفع الحزب من سقف المواجهة. فإلى جانب تأكيده أن سلاحه غير قابل للنقاش، كرّر قاسم صراحة ما قاله سابقًا: “لن نسمح بنزع السلاح وسنواجه بمعركة كربلائية”. في رسالة مباشرة لكل من يطرح مسألة حصريّة سلاح الحزب كجزء من أي مشروع داخلي أو دولي.
بالنسبة لحزب الله، السلاح ليس ملفًا سياسيًا بل هوية وجودية، ومصدر قوة يحفظ لبنان من العدوان بحسب قناعته. أما أي محاولة لنزعه، فهي بنظر الحزب تنفيذ لإرادة إسرائيلية أميركية، تُواجه بموقف صلب وحاسم. في المقابل، يرى كثيرون أن هذا الموقف يضع الدولة أمام معادلة مشلولة وخطرة، حيث تتخذ قرارات لا تُنفذ. وفي اشارةٍ لا تقلُّ خطورة، قال توم برّاك في حديثٍ للجزيرة عقب كلام “قاسم”، ” لبنان يقول إن إسرائيل لا تلتزم بالاتفاق وإسرائيل تقول نفس الشيء والمشكلة أنهما لا يتحاوران”. وتابع برّاك: “الولايات المتحدة ليست ضامنا في اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل”. بالتالي يلمّح باراك الى أن الوساطة الأميركية بين الطرفين لم تعد تجدِ نفعًا وان الأمور ممكن أن تذهب الى ما لا تحمد عقباه!
وبعد أن كان نعيم قاسم قد أعلن في خطاب سابق، عن طلب الحزب بفتح صفحة جديدة، مع السعودية، جاء تصريح وزير الخارجية السعودي ليل أمس ليؤكّد دعم المملكة لقرارات الدولة، (والتي بطبيعة الحال لم يمتثل لها الحزب), إذ شدّد الأمير فيصل بن فرحان من على منبر الأمم المتحدة، أن المملكة تدعم جهود حكومة لبنان بشأن حصر السلاح، وتؤكّد على ضرورة انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
أمام هذا الواقع، تعود الإشكالية الأساسية لتطرح نفسها بقوة: كيف تبني الدولة قرارها السيادي الكامل، في ظل وجود قوة حزبية تتصرف بما يتجاوز مؤسساتها؟ وهل يمكن التوفيق بين مشروع الدولة ومشروع ايديولوجي ديني عقائدي سياسي متداخل، طالما أن الحزب يرفض الخضوع لسلطة القرار المركزي ويخضع مباشرةً لقرارات الحرس الثوري الإيراني؟
من صخرة الروشة إلى سلاح الحزب، تتكرّس أكثر معادلة “الدولة المقيّدة”، بوجه طرف لا يرى في قراراتها سوى توصيات ما لم تتوافق مع مصالحه. فعلى من تقرأ مزاميرك يا داوود؟!





