بين خطاب برّي المنتظر واستحقاق الحكومة: هل يعود الثنائي إلى ثوابت الإمام الصدر؟

كتبَ جوني خلف
بين سطور الانتظار السياسي في لبنان، تتجه الأنظار إلى موعدين مفصليين: خطاب رئيس مجلس النواب نبيه بري في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، وجلسة مجلس الوزراء المرتقبة، حيث ستُطرح مسألة حصرية السلاح وخطة الجيش اللبناني. وفي قلب هذا المشهد، تحضر معادلة بالغة الحساسية: هل ينجح لبنان في إعادة ضبط أولوياته الوطنية على قاعدة ما رسمه الإمام الصدر يومًا، بعيدًا عن انحرافات الحاضر؟
الرسالة التي يُتوقّع أن يحملها الرئيس بري اليوم الأحد، وفق المعطيات، لن تكون مجرد خطاب تقليدي لإحياء ذكرى، بل دعوة صريحة إلى حوار وطني شامل، يُخرج البلاد من الاصطفافات ويعيد ترتيب أوراق الداخل وفق ثوابت الطائف والدستور وخطاب القسم. دعوة تأمل من الجميع تقديم التنازلات لصالح الثوابت الوطنية، بعيدًا عن حسابات الربح والخسارة السياسية.
وبرز في خلفية التحضير للجلسة الحكومية المقبلة، أن لا نية للدخول في تفاهمات خارجية أو الانجرار خلف أوراق غير ناضجة كـ”ورقة باراك”، بل التمسك بما جاء في البيان الوزاري لجهة حصرية السلاح بيد الدولة، وتفعيل دور الجيش كمؤسسة ضامنة للاستقرار والسيادة.
ومن الجنوب، حيث بدأت مسيرة الصدر، يعود الحديث عن السيادة الفعلية، ورفض أي شكل من أشكال التقسيم أو المناطق العازلة، والدعوة لتثبيت الحدود، وإعادة الإعمار، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية، كلّها بنود تمثل روح المقاومة الأصيلة التي دعا إليها الإمام الصدر، لا ما تحوّل لاحقًا إلى استقواء أو مشروع خارجي.
وهنا يُطرح تساؤل جدّي: أين “البعض الكثير” اليوم من نهج الإمام موسى الصدر؟ فبينما كان الصدر منفتحًا على الحوار، حاملًا لمشروع الدولة، ورافضًا استقواء طرف على آخر، يبدو أن البعض اليوم يسيرون في مسار مختلف، عنوانه التمسك بالتصعيد، والانخراط العميق في المحاور الإقليمية.
فلنستحضر بعض صرخات الإمام المغيّب موسى الصدر، والتي وصلت الى قلب الوطن وكل مواطن. ومنها:
كل طلقة تُطلق على دير الأحمر أو القاع أو شليفا ، إنما تُطلق على بيتي وعلى قلبي وعلى أولادي..
وهنا نعيد نشر مقطتف من كلمة للإمام المغيّب، القاها في كنيسة مار لويس للآباء الكبوشيين في وسط بيروت
بتاريخ 18-2-1975

قال: ها نحن الآن نجد أنفسنا في فرصة العمر، في فصل جديد بدأه لبنان.
فلنلتقِ، أيها المؤمنون والمؤمنات، فلنلتقِ على الإنسان، على صعيد الإنسان، كل إنسان؛ والإنسان، كل إنسان، إنساننا في بيروت، وإنساننا في الجنوب، وإنساننا في الهرمل، وإنساننا في عكار، وإنساننا في ضواحي بيروت، في الكرنتينا وحي السلم. الإنسان، كل إنسان ليس خارج الفرصة، ولا معزولًا ولا مصنفًا، فلنحافظ على إنسان لبنان لكي نحفظ هذا البلد، بلد الإنسان أمانة التاريخ وأمانة الله.
وللمفارقة، نستعرض ما قاله الشيخ “نعيم قاسم” في اربعينية الحسين من بعلبك شرقي لبنان:
15-8-2025

حينها، اتهم الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الحكومة اللبنانية بـ خدمة المشروع الإسرائيلي بمضيها في قرار حصر السلاح، وتوعد بخوض ما وصفها “بمعركة كربلائية” لمواجهة القرار، وقال إنه “لن تكون هناك حياة في لبنان إذا حاولت الحكومة مواجهة الحزب”.
من الأرشيف
وفي سهرة رمضانية قضتها مجلة “الحوادث” عند الامام الصدر في 2 ايلول 1977، كان هذا الحديث الذي لا يقل فيه ما بين السطور أهمية عن السطور نفسها.
مقطتف من الحوار
*سماحة الامام، في مثل هذه الظروف الصعبة يأتي الحديث عن جنوب لبنان دائماً في المقدمة والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذه المرحلة هو: هل قُضي على أبناء الجنوب أن يحاربوا عن العرب، كل العرب؟ وهل كُتب على الجنوب أن يدفع الثمن الكبير في حرب المنطقة؟
رفع الامام عمامته عن رأسه ووضعها جانبًا والتفت الى صاحب “الحوادث” سليم اللوزي وقال:
- “في الواقع إن الشيء الذي أريد أن أغتنم هذه الفرصة لأقوله كَتَمَنٍّ على مجلة “الحوادث” هو أن الجنوب مرت عليه فترة تعرض فيها للتعتيم الاعلامي ثم تركز الاعلام عن الجنوب في الوقت الحاضر على تصوير معالم المأساة التي يعاني منها، من التشريد الى القتل، الى التدمير الى نسف البيوت الى قصف المدارس، الى نشر موجة النزوح، الى محاولة إشاعة اليأس، وهذه كلها وقائع صحيحة، ولكن يجب أن نعترف أن الجنوبي الى جانب معاناته أثبت بطولته في الصمود لأن السياسات الدولية كانت تريد أن يكون الجنوبي هو المدخل للتعايش العربي – الاسرائيلي. والسلاح الأقوى في يد العرب ضد اسرائيل هو سلاح المقاطعة، فهو يجعلها جسمًا غريبًا في المنطقة.”
إن استحضار تجربة الإمام موسى الصدر في هذا التوقيت، هو تذكير بأن الوحدة الوطنية والعربية، هي حجر الأساس، وأن العيش المشترك لا يكون تحت سطوة طرف أو سلاح، بل ضمن دولة قوية، مستقلة، عادلة، متحررة من أي وصاية داخلية أو خارجية.
فهل تُشكل هذه الذكرى فرصة لإعادة تصويب البوصلة؟ أم أن خطاب بري سيكون أقرب إلى مهادنة سياسية، تحفظ توازنات “الثنائي” أكثر مما تُنقذ الدولة؟ الجواب في الساعات و الأيام المقبلة.





